06‏/05‏/2011

المحكمة الدولية تستعمل ذراعا جديدا للدول الكبرى



محمد زيدان
الحوار المتمدن - العدد: 3356 - 2011 / 5 / 5
المحور: حقوق الانسان
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو ، يقول انه يملك مواد كافية لتوجيه لوائح اتهام ضد القيادة الليبية "بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية" تشمل استعمال القنابل العنقودية - التعذيب - قصف المدنيين واستهداف الاماكن السكنية المدنية بالقصف العمدي العشوائي - وهو يدعو مجلس الامن للتحرك!! واضاف"نحن نجمع الادلة منذ الاسبوعين الاولين من فبراير حيث كان هناك اطلاق نار على مدنيين عزل". وقال أيضا: لدينا ادلة على شن هجمات واسعة ومنتظمة ضد مدنيين، متحدثا عن اعتقالات جماعية وعن حالات تعذيب في ليبيا.1

ممكن ان نسأل اوكامبو ومجلس الامن : ماذا مع كل الوثائق والادلة على جرائم الحرب التي تمارسها اسرائيل ضد الفلسطينيين - والقائمة أطول من جرائم ليبيا - لماذا لا تكفي لفتح تحقيق دولي رغم انها مستمرة منذ 63 عاما؟؟ ولماذا رفض اوكامبو والامم المتحدة احالة ملف جرائم اسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين الى المحكمة الدولية، على الاقل خلال حرب غزة ومن قبلها ضد المدنيين في لبنان خلال الحرب على لبنان ، والتي شملت بالحالتين قصف مدنيين واستعمال قنابل فسفورية وعنقودية واستهدفت مقرات للامم المتحدة ومدارس ومستشفيات - وقد اصدرت هيئات دولية رسمية وغير حكومية (ومنها اسرائيلية) تقارير توثق كل تلك الانتهاكات والجرائم التي تشكل بكل الاعراف الدولية جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية .؟؟

هذه التساؤلات لا تعني باي حال من الاحوال تبرير او التساهل مع الجرائم المقترفة ضد المدنيين في ليبيا. ولكنها من اجل اثارة التساؤل حول ما يحصل بالمعايير والآليات الدولية التي وجدت بالاصل من اجل حماية المدنيين في كل العالم على قدم المساواة ودون تمييز ودون ازدواجية بالمعايير،

الجواب واضح وهو وجود ازدواجية بالمعايير من قبل المحكمة الدولية والمدعي العام, والااستغلال السياسي للقانون الدولي ولحقوق الانسان من قبل الدول الكبرى وخاصة أوروبا والولايات المتحدة ، التي توفر الفيتو والغطاء السياسي امام اي محاولة لتفعيل الآليات الدولية ضد مجرمي الحرب فيي اسرائيل





نعم للمصالحة .... ولكن!


بقلم: محمد زيدان

مع الترحيب الفلسطيني والعربي الكبير بإحتفال توقيع إتفاقية المصالحة بين فتح وحماس، رغم ما شابها من تفاصيل هامشية طغت على المشهد الإعلامي الذي رافقها، خاصة في الجوانب الإجرائية حول من يتحدث أولاً، واين يجلس كل طرف على المنصة!!، الا أن هذه المصالحة كانت وفق رأي الأغلبية ضرورية وهامة من أجل إضفاء أجواء إيجابية على النضال الفلسطيني لإنهاء الإحتلال وإقامة الدولة، ورغم ذلك فإنه لا بد من الإشارة لبعض الجوانب التي لا تقل أهمية عن مجرد التوقيع ذاته:

أولا: يشكل هذا الإحتفال الخطوة الأولى أمام قيادة حماس وفتح للبدء بمفاوضات جدية تفصيلية حول قضايا هامة وخطيرة تتعلق بمستقبل العمل السياسي المشترك ضمن السلطة الفلسطينية، بما في ذلك قضايا متعلقة بإجراء الإنتخابات، وتقسيم الأدوار السياسية وتنظيمها بين رام الله وغزة. هذا إضافة للملفات التي لا تقل أهمية والمتعلقة بالأجهزة الأمنية التي نمت خلال سنوات الإنقسام الأربعة، ولا يقل عن ذلك أهمية قضية الولاءات الفصائلية التي تمت داخل أجهزة السلطة ومؤسساتها المدنية والأمنية في كل من غزة ورام الله.

ثانيا: من المفيد أن نذكّر أن الشعب الفلسطيني الذي، وإن عبر عن فرحته بإنهاء الإنقسام وإعلان الوحدة، فإنه قد مرّ بتجربة قاسية ليس على مستوى إنعكاس الإنقسام على حياته اليومية فحسب، بل على المستوى الوطني العام، والمتمثل بفقدان الثقة المتزايد لدى قطاعات جماهيرية واسعة بالعمل السياسي من خلال الفصائل القائمة، التي وضعت مصالحها وبرامجها فوق المصلحة الوطنية العامة خلال سنوات الإنقسام، ووصلت حد الإقتتال على سلطة محدودة السلطة.

ثالثا: الإتفاق الأخير في القاهرة، كما تم عرضه لم يشمل مراجعة واضحة وعلنية لفترة الإنقسام والدروس المستفادة منها، ولو على مستوى الفصائل الأساسية التي لعبت دوراً فيها (حماس وفتح)، والتي كان من المفروض ان تشمل في تقييماتها اعتذاراً للشعب الذي تدّعي هذه الفصائل تمثيله في هذا الصراع الداخلي!!

هذه العوامل الداخلية يمكن لها ان تكون مؤثرة في مستقبل المصالحة، إضافة لعوامل إضافية أخرى لا تقل أهمية والمتمثلة بردود الفعل الخارجية - الفاترة على أقل تعبير، والتي صدرت عن مؤسسات دولية وهيئات فاعلة كالإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إضافة للردود المتوقعة الواضحة التي جاءت من الحكومة الإسرائيلية التي رأت بالمصالحة "ضربة قاسية للسلام، ونصراً عظيماً للإرهاب" كما جاء على لسان نتنياهو أثناء زيارته لندن يوم توقيع الإتفاقية.

وبالنظرة الى كل هذه العوامل الداخلية والخارجية، فإنه لا بد من التأكيد على أن المصالحة التي يحلم الشعب الفلسطيني بها، ليست تنظيمية او فصائلية فحسب، (على الرغم من أهميتها) بل تلك التي تشمل إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني بما يتلائم وحجم التحديات التي يطرحها الإحتلال من خلال زيادة التوسع والإستيطان، ليس في القدس لوحدها، بل في كل المناطق المحتلة، من أجل إلغاء أي إمكانية لإنهاء الإحتلال فعلياً على الأرض، وضمان إستمراره كمشروع سياسي إقتصادي وعسكري بدون كلفة فعلية، بل وحتى كمشروع مربح لها على كل الأصعدة.

وتشمل عملية إعادة صياغة المشروع الوطني التي تستوجب مشاركة الشعب الفلسطيني بكافة اطيافه وقطاعاته دون استثناء، وخاصة التي لم تعد الفصائل الحالية تمثله، والاتفاق على مركبات النضال وإشكاله مع برنامج سياسي واضح يمثل عناصر الإتفاق الفلسطيني المشترك، نحو إنهاء الاحتلال وبناء الدولة الفلسطينية المنشودة، في ظل المتغييرات السياسية والإقليمية والدولية، إضافة للعوامل المرتبطة بما تقوم به إسرائيل على الأرض. أي ان تتحول المصالحة بين حماس وفتح على المستوى الفصائلي الى مصالحة فلسطينية شاملة وتوحيد للشعب على الأرض بما يجعل الإنتقال للمرحلة القادمة انتقالاً نوعياً يشمل إصلاحات تنظيمية وسياسية في المؤسسات الوطنية التي لا بد لها أن تتطور، او يتم استبدالها بأخرى تصلح لقيادة المرحلة والبرنامج السياسي الذي يتم صياغته، والأهم برنامجاً وطنياً يمثل تطلعات الشعب كله وخاصة الشباب الفلسطيني، الذي نشأ خارج إطار غالبية الفصائل القائمة، وتربى في ظل ممارسات الاحتلال على أرضه ووطنه على مدار السنوات السابقة. وأن على هذا البرنامج ان يكون شاملاً وممثلاً لوجه الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويحمل طموحاته وبرنامجه الوطني بإبعاده السياسية والإجتماعية.

14‏/03‏/2011

الجزيرة تدفع ثمن صوت الحقيقة بدماء أبطالها


رحل علي حسن الجابر حاملا كميرا كان آخر ما التقطته صورا لضريح المجاهد عمر المختار... اغتالته يد الجبن المرتعبة خوفا من كشف الحقيقة للعالم ... حقيقة جبن النظام ووحشية المرتزقين الملتفين حوله دفاعا عن الجريمة ذاتها... رحل مصور الجزيرة القادم من الدوحة إلى بنغازي ليتعرف على صور الحقيقة بعينه المجردة مسلحا بكاميرا وقليلا من الأوراق لتوثيق تلك الحقيقة التي كان يشاهدها من خلف شاشات "المونيتور" في استوديوهات الجزيرة بالدوحة.. حركته مهنة المصاعب وركوب الخطر أن يخرج من غرف الزجاج المكيفة إلى صحراء بنغازي الملتهبة ويلتقي المناضلين الذين رآهم من قبل ألف مرة...يلقاهم وجها لوجه ويَشتَم رائحة البارود والنار التي رآها ألف مرة عبر شاشته...

ها هي الجزيرة تدفع ثمن انحيازها للحقيقة والفقراء والحرية، تدفع ضريبة المشاركة في توثيق اللحظة وتوسيع دائرة الشاهدين على الجريمة والمشاهدين لتفاصيلها... هاهو علي حسن الجابر يغادر شهيدا لا لمهنة أدركت هذه الأيام حجم الكراهية والتحدي كما عرفتها من قبل فحسب، بل شهيدا لقراره أن يخلص لهذه المهنة ويقوم بواجبه الإنساني المشارك بنقل الحدث من ساحات حدوثه لا المتفرج على تفاصيله من بعيد فقط ... يغادر علي حسن الجابر لينضم إلى طارق أيوب ويذكرنا بسامي الحاج وتيسير علوني وغيرهم من صحافيي الجزيرة ومكاتبها التي تواجه يوميا كل أشكال التضييق وقرارات الإغلاق والحجب وإطلاق أيدي الزعران والبلطجية للاعتداء على مكاتبها وتدميرها في تلك العاصمة أو تلك المدن المتخفية كعواصم خلت من كل مفاهيم السيادة والعدالة، والتي تتخصص باغتيال الحقيقة وتخاف كاميرا الجزيرة وتخشى صحافييها أكثر من خوفها من القصف المدفعي والاجتياح العسكري. ويذكرنا بحملات التحريض المسمومة عليها وعلى طواقمها, مرورا بالحجب والتشويش وإحراق المعدات, وانتهاء بقتل صحافييها وتصفيتهم جسديا بكمائن تستهدفهم بشكل مقصود.

والجزيرة كما عهدناها منحازة للجماهير وصوت الحق لا تردعها تهديدات ولا يجزعها وعيد، تلتزم الرد على العدوان بمزيد من الإصرار على القيام بواجبها الصحفي والإنساني، لأنها ترى بالعدوان عليها عدوان على الحقيقة التي لا ثاني لها في معادلة الحرب بين الظلم والجريمة وفساد الأنظمة من جهة والعدل والحق والشعوب من جهة أخرى .. وهي ترد على العدوان شامخة مهما تعددت أشكال هذا العدوان وتلونت ألوانه

المجد والخلود للشهيد علي الجابر.. وكل التحية لزملائه المرابطين في خطوط المواجهة المتقدمة في بقاع الأرض لنقل الحقيقة وصوت الشعوب التي لم تترك لها قنوات السلطة حيزا في فضائها .. وللجزيرة وطواقمها نقول كفاكم شرفا تلك الأصوات الشريفة التي أطلقتها جماهير بنغازي بعد تشييع جثمان الشهيد البطل، وكفاكم فخرا تلك الحناجر التي رددت شعارات التحية والشكر بعد أن احتضنت شهيد الجزيرة – شهيد الحقيقة – لأنها تأتي من شعب الثورة وبسطاء الناس لا من سلاطين الظلم والاستبداد.

01‏/10‏/2010

الشهداء - اراهم يسيرون نحو الوطن

استطيع ان اجزم اليوم (كما منذ اكثر من عقد) ان الشهداء على تعدادهم, لم يعودوا ينتظرون التحقيق في من قتلهم بدم بارد... لم يعودوا ينتظرون ما يتكرم به الوحش القاتل على ضحيته بعد افتراسها .... صرت اعتقد أنهم يشاهدون محاكم التفتيش من بعيد, ويراقبون لجان التحقيق ويعدون الجرائم التي تلت جريمة اغتيالهم واحدة تلو الاخرى.... يشاهدون من بعيد, ويضحكون لأمرنا ويرسحون قناعاتهم بأن لا فائدة ترجى من كل التحقيقات واللجان التي لايبقى من ومضات الكميرات التي ترافق المؤتمرات الصحفية التي طالما تزف قرارات هذه اللجان وتوصياتها في طريقها للاندثار والموت دون ان تترك لها أثراً يذكر ... اراهم يعلموننا مرة تلو الاخرى أن لا عدالة ترجى من حاكم تأسست جدران عدالته على بقايا مقابر قرية هجر اهلها قبل 60 عاما او ما يزيد. ولأن الشهداء لا يرون بقضتهم سوى استمراراً لجريمة تمتد منذ أمدٍ طويل, فانهم لا يستعجلون طريقهم الى الذاكرة ... انهم يسيرون في قافلة طويلة من الشهداء... قافلة غالبيتها من الاطفال والنساء والمدنيين الضحايا... ليسوا ابطالا بفطرتهم ولا محاربين بغالبتهم..., انهم ضحايا الجريمة المستمرة لفكرةٍ مفادها انه لم يكن من المفروض وجودهم اصلا على هذه الدنيا, على الاقل ليس في هذا الزمان ولا هذا المكان!! فإن مجرد وجودهم هناك, كان مقاومة من حيث لم يدركوا... مقاومة تنفي فكرة "الارض بلا شعب" التي ابتدعوها, فكيف لهم ان يوقفوا "حلم الشعب العائد لارضه" رغم التاريخ والجغرافيا.؟؟ بقوة النار والحديد والدبابة وكل اصناف السلاح السياسية والعسكرية جاؤوا لتثبيت اقدام مملكة التاريخ المنسوخ من اساطير سليمان ونبوخذ نَصّر!!.

منذ زمن طويل ترى الشهداء يسيرون في قافلة لا تتوقف عن التوسع والازياد في تعدادها..., وفي كل مرة ينضم اليها الشهداء الجدد, يسيرون في معية خالد وعمر وسليم الذين لازالوا يحملون مناجلهم منذ اغتالتهم ايدي غريبة في حقولهم وهم يحصدون القمح قرب قسطل صفورية.... وفاطمة العباس التي لم تغادر عمرها البالغ خمس سنوات منذ اغتالتها يد العصابات في قرية الشجرة منذ اكثر من 60 عاما .. لا زالت تمارس اللعب بعروستها المصنوعة من قماش مهترئ استعارته والدتها من قمباز والدها بعد ان عافته ابر الترقيع منذ زمن طويل.

اراهم وقد اعتادوا على الجلبة المفتعلة حول احياء ذكراهم... اراهم يتبسمون مداعبة لنا في كل عام عندما تصلهم اخبار النقاشات حول ضرورة الاضراب العام او الاكتفاء بالمسيرات الشعبية...، فهم بكلا الحالتين لا يفهمون سـر هذه النقاشات ولا يرغبون بها من اجلهم ....!! انهم لا يرون انفسهم الا من خلال ما تتيحه قافلة الشهداء الممتدة من وعيهم بأن إدراك العَدل لا يأتي من محاسبة المجرمين بعينهم فحسـب !!... فهم منذ تم اغتيالهم لم يعودوا يمثلون انفسهم وشخوصهم التي اعتدنا عليها... تماماً, كما لا يمثل القاتل ذاته في معادلة الصراع بين العدوان والمقاومة لصده، أو ضمن معادلة العلاقة المنسوجة قسراً بين المجرم والضحية بفعل الجريمة وعلاقة الفعل بالفاعل!!. ولأن وليد وأسيل ورامز وعلاء ورفاقهم في هذه القافلة لا يرون بملاحقة رالف او رون - أو أياً كان اسمُه – عنواناً وحيداً للاقتصاص وعدالة قضيتهم, فإنهم كذلك لا يأبهون لأي المراتب تمت ترقيتهم، ولا لما حلّ بمستقبلهم المهني العسكري او المدني بعد تنفيذهم الجريمة.... . تماما كما لم يلتفت ابو الوليد منذ 54 عاماً لما طالَ شِدمي ومِلِنكي ورفاقهم بالجريمة, بعدما قاموا بتنفيذ أوامِر الإبادة في كفر قاسم بحق 43 مدنياً لا زالوا يرافقون قافلة الشهداء بأسمالهم البالية من مشقة العمل الذي كانوا في طريقهم للعودة منه ورائحة التراب الذي ما عاد قادرا على احتضان اجسادهم لطهارتها.

أراهم يبتسمون رحمة بنا, يشفقون على جهلنا وإمعاننا بقَرع أبوابِ الرّحمةِ المغلقة في قلعة القاتلين المؤسسةِ على غبارِ المعارك وأوهام العظَمة. فعُمر ومحمد ورامي لا تهمهم توصيات تيودور او شمعون أو كل من رافقهم في لعبة التحقيق الزائفة, لأنها لا تساوي قيمَة الورق الذي كتبت عليه ... , ولا تعنيهم بالتالي ما توصلت اليه لجنة التحقيق الوهمية من نتائج وتوصيات – ما طبق منها وما تم التخلص منه بمجرد جفاف الحبر الذي كتبت به – تماما ً كما علَّمتهم أُم عاطف ومئات الضحايا الذين ما زالوا يرافقونها في مسيرة الشهداء منذ أن صارت صبرا وشتيلا أسماءً لمجازر بعد ان كانت عنواناً لجريمة التهجير من قبل. فهم يذكرونها تكرر امامهم بوضوح ووعي لم يرونه من قبل "أن لا علاقة لها من قريب او بعيد بكل ما استخلصته لجنة كاهن, وما قاله القاضي براك في توصياتهم بعد المجزرة, ولا تعنيها باي حال من الاحوال ما آل إليه سـفاح الجريمة بعد أن صار رئيساً للوزارة مكافأة على إتقانه تنفيذ المهمة التي ارسله ربُّ الجُندِ من أجلها، وإتمام مُهمّةِ يِهوشاع بِن نون التي لم تكتمل في اريحا منذ الاف السنين.

أراهُم يسيرون في انتظامٍ غريبٍ لا نَراه في مراسِم إحياءِ ذكراهم, لا يرفعون سوى اعلاماً تجمّعت الوانها بلون الأرض ودماءَهم التي لازالت على صدورِهم شامةً ووسام ..... يسيرون نحو مستقبلٍ نجهلُه بمقدارِ ما يدركونَه.... أرى من بينِهم مصلح أبو جَراد يسير الى جانب رأفت علي الزهري, يتحدثون عن المشترك بين يوم الأرض وهبَّة القدس والأقصى .., يتفاكَرون بتلكَ الدوافِع التي أتِت بهم من دير البلح على أطراف الوطن الجنوبية, ومن نور شمس في قلب فلسطين لينضموا الى هذه القافلة طواعية بعيدا عن بلداتهم الاصلية !! , أسمعهم يتسائلون هل أدركنا الرسالة التي كتبوها من أجلنا بدمائهم عن علاقة الجليل بغزة, واحتضان الضفة للمثلث والنقب!! ، يتساءلون إن كان المعنى لرسالة القدس في قلب كل فلسطيني على طول الوطن قد رسخت !!, أراهم يتساءلون ويواصلون الابتسام والتقدم.

يستذكر أحمد لقاءه الأول مع خديجة وسهام , وكيف علّمته أم توفيق الغزاوية التي ما زالت تسير بمعيّة أطفالها التسعة في مسيرة الشهداء, بعد ان سقط سقف البيت عليهم وهم نيام في التاسع من آذار بعد أن أصابته قذيفة دبابة متقنة الصنع. كان ذلك في العام الذي يختزنه أحمد في ذاكرته التي اصابتها رصاصة مستوطن من كدوميم التي اقيمت على ارض اجداده. أسمعها تردد أمامه أن الأيام وبشـاعة الجريمة المتواصلة تجمعهم دوماً في هذه القافلة، وأن الخيط الرابط بين جريمة شارون بئر البقر هو ذاته الرابط مع جريمة شارون صبرا وشتيلا, والواصل الى جريمة شارون في دير البلح وجرائمه في القدس والاقصى !!, أسمعها تؤكد له أمام أطفالها أن لا يسيء فهمهما كما يفعل الكثيرون منذ زمن طويل , فيعتقد أن شارون او باراك او بيرس او أي اسم آخر, هو المسؤول عن كل هذه القصص المتابعدة بالزمن والمتقاربة بالمغزى!!, لا بل أن يفهم ما تود افهامه بشكل قاطع معتمد على تجربة تعامل الشهداء مع مقترفي مجازرهم , "أنهم مجرد لاعبين متفوقين بحمل رسالة الأسبقين منذ بن غوريون وحتى بيرس, وما مر بينهما من آلاف الاسماء التي لم تعد تذكرها بعد ان طال انتظارها للقاء الوطن. "إيّاك أن تظنّ أن القصة منوطةٌ بهذا المُجرم أو ذاك .. وإياك أن تعتقد بأن محاسبة هذا المجرم او ذاك , من شأنها أن تُحسَب في ميزانِ العدل والمسائَلة التاريخية..... وإياك أن تصدّق للحظةٍ واحدةٍ أن العدلَ والقصاصَ واردةٌ في ذهنِ هؤلاءِ المجرمين, االلهم إلا ما يستعملونَه لتضييع الحق وتشتيتِ العدالة".

اكتوبر 2010

25‏/03‏/2010

في ذكرى رشيل كوري - بقلم محمد زيدان


16 آذار 2003 ... رشيل كوري.. تقف امام جرافة الهدم.. رشيل تتوسط الطريق بين الجرافة ومنزل فلسطيني مهدد بالهدم في رفح المحتلة.. رشيل تمسك ميكروفوناً وتخاطب سائف الجرافة الجالس خلف الزجاج المحصن.. يفغيني سائق الجرافة كان قد اعتاد قيادة آلته الحربية لتهدم البيوت وتجرف البيارات وتسوي الارض "لتزيل العوائق" من امام دبابات العسكر.. يفغيني اصبح خبيراً في مثل هذا النشاط العسكري الذي اعتادته اسرائيل منذ الانتفاضة الثانية.. هذا النشاط الذي حول الجرافة الى آلة عسكرية بامتياز... يفغيني ينتمي الى كتيبة مختارة من ال-"מפעילים" مشغلي الجرافات الذين تفننوا بتنفيذ عمليات الهدم والتجريف في غزة وجنين من قبل!!

يفغيني حتماً لا يتقن اللغة العبرية.. فهو قادم جديد من بلاد ما خلف البحار.. لكنه اتقن لغة الدمار والهدم قبل ذلك... رشيل تلبس الزي الاحمر البراق.. زي يبرز وجودها ويظهرها امام الجرافة التي لا يبدو انها تميز الالوان.. تحمل ميكروفونها وتصرخ... من المؤكد انها كانت تنادي سائق الجرافة الا يستمر في طريقه الى الهدم.. تحاول ردعه بصوتها... بجسدها وحضورها.. وهي لا تتوقع الا ان يتجاوب مع خطابها الانساني.. كيف لها ان تعرف لغة مشغلي الجرافات وهي ليست فلسطينية.. وليست عربية، ليست من هذا الشرق الذي لا تحترم فيه حرمة الحياة.. هي واحدة من هذه الارواح التي اختارت ان تقطع المحيطات خدمة لرسالة انسانية.. لترسم نموذجاً مختلفاً عن انسان امريكا الذي صنع البلدوزر وقدمه للعسكر هدية ورمزاً للالتزام الامريكي لأمن اسرائيل!!

رشيل جاءت لترسم صورة اخرى من التضامن الاممي والحب الانساني.. لكن ضوضاء الجرافة كان اقوى من كل المبادئ والاخلاق.. ويفغيني مصّر على انهاء ما جاء من اجله.. ليضيف الى سجل بطولاته صورة اخرى لهدم جديد.. ويحصد شارة جديدة يضيفها الى أوسمة الدمار التي حصدها في غزة وجنين!! يعرف حتماً انه سيشاهد امرأة تبكي وطفلاً يصرخ.. وشيخاً يلجأ الى الدعاء والتضرع امام الله لينتقم من الجرافة ومن ارسلها.. او يمكن ان يلاحظ من خلف الزجاج المحصن اطفالاً يرشقونه بالحجارة التي يعلم انها لا تضر ولا تؤثر في آلته الضخمة.. الجندي المخلص يفغيني مصر على الوفاء بإلتزاماته بتنفيذ الاوامر مهما تكن!!

يضغط دواسة الوقود.. يندفع البلدوزر نحو الهدف المحدد، لا يهمه ان ينظر في المسافة الفاصلة بينه وبين الهدف، يدوس في طريقه فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها.. احضرها القدر لتكون شاهدة حاضرة.. بل مشاركة في فضح هذه الوحشية المستشرية منذ الأزل.. يدوسها بجرافته ويمزق جسدها ويغادر.. فجأة تتوقف الجرافة.. ولا ينفذ الهدم الا بعد عدة اشهر.. تبقى رشيل ممدة على الارض، محاطة بزملائها.. ودمها الزكي يختلط برمال رفح وتراب فلسطين.. وتغادر الروح جسدها الطاهر.. لتكون الشاهد.. وتكون الشهيد .. وتجسد التضامن الاممي بابهى صورة انسانية يمكن ان تكون.