12‏/07‏/2011

قانون منع المقاطعة والرد الجماهري المطلوب

محمد زيدان: مدير المؤسسة العربية لحقوق الانسان

تستمر إسرائيل في وضع سلسلة قوانين تهدف لإعادة رسم حدود الحريات السياسية المتاحة أمام أي قوة تعارض سياساتها وتوجهاتها الرسمية، خاصة بما يتعلق بمفهوم يهودية الدولة وتحديد حيز الحريات الدمقراطية فيها بالمفهوم المدني، وتبعاته السياسية والقانونية والإجتماعية، علاوة على نظامها الإقتصادي والإجتماعي.

وضمن هذه السلسلة أقرت الكنيست بالأمس قانوناً يحظر الدعوة لمقاطعة اسرائيل، بما في ذلك الدعوة لمقاطعة المستوطنات ثقافيا او اقتصاديا ومقاطعة منتجاتها. ويفتح القانون الجديد الباب لاتخاذ إجراءات مدنية ومالية كالمطالبة بالتعويض من الجهات الداعية، دون الحجة لإثبات الضرر الحاصل من هذه الدعوة!!

يشكل هذا القانون من حيث الجوهر رسماً جديداً لحدود حرية التعبير بما يتماشى مع رغبة الغالبية اليهودية (والصهيونية بالطبع)، وهو بالتالي تراجعاً إضافياً لحرية التعبير التي تشكل عصب الحريات الديمقراطية ونخاعها الشوكي!!. والخطر في هذه الممارسة لا يقع جراء هذا التحديد والمنع فحسب، بل كونه يشكل مقدمة أو نموذجاً قد يحتدى به في المستقبل لتجريم مواقف سياسية لا يرضى عنها الإجماع الصهيوني، أو الغالبية اليهودية في البرلمان الإسرائيلي!!. ويجوز وفق هذا التوجه والمنطق مثلاً أن تقوم الغالبية بمنع أي تصريح أو دعوة لإنهاء الإحتلال مستقبلاً!!, او حتى تجريم اي مواقف تناقض البرامج السياسية للأحزاب الحاكمة!!. إذاً من الناحية النظرية الصرف فإن هذا القانون هو استمرار لعملية الحفر تحت "الأسس الديمقراطية" المهتزّة أصلاً في الحيز الإسرائيلي العام.

من الجهة الأخرى فإن المستوطنات تشكل وفق القانون الدولي جريمة حرب ومخالفة لاتفاقيات جنيف، التي تمنع المحتل من نقل السكان الى منطقة الاحتلال تغيير الديموغرافيا السكانية للمنطقة المحتلة، وهو عمليا جوهر مشروع الاستيطان الاسرائيلي. أي أن القانون الذي أقر بالأمس جاء لإضفاء الحماية على هذه الجريمة والمخالفة البشعة للقانون الدولي، ولتوفير غطاء قانوني يمنع إنتقاد هذه الجريمة أو الدعوة لمقاطعتها... هو حماية للجريمة بقدر ما هو جريمة بحد ذاتها بحق أصحاب الأرض الذين يُجَرّم القانون حقهم بمقاطعة المستوطنات التي اقيمت على اراضيهم.!!

من الجانب الفلسطيني العام فإن إسرائيل ستقوم حتماً بإستعمال هذا القانون في مقارعاتها السياسية، كأن تقول أن دعوة الحكومة الفلسطينية لمقاطعة منتجات المستوطنات – التي اصبحت جريمة وفق هذا القانون - سبباً لمعاقبتها من خلال تشريع سرقة الضرائب التي تُجبى في إسرائيل، وأن تمتنع عن تمريرها للسلطة، كما حدث بالماضي عدة مرات، ولكن هذه المرة ستكون إسرائيل مسلحة بقانون يشرع خطوتها.

بالنسبة لنا نحن الفلسطينيون في إسرائيل، فإن مقاومة هذا القانون- المخالف لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، يجب أن تأخذ عدة أبعاد ووسائل بحسبانها:

اولاً: البعد القضائي- واعتقد أنه البعد الأسهل الذي يعني التوجه للمحكمة العليا الإسرائيلية، بهدف إلغاء القانون بإعتباره "ليس دستورياً"، ولا يتماشى مع القوانين الأساسية، خاصة بما يتعلق بالحريات المدنية وحرية التعبير!!. أي أن هذا التوجه سيركز على الجوانب المتعلقة "بديمقراطية إسرائيل" كما يجب أن تكون!، وأعتقد أنه أسهل الإحتمالات وأقلها جدوى على مستوى التأثير السياسي طويل المدى المرغوب، بالرغم من سهولة تنفيذه وسرعة نتائجه كونه يقتصر على وسيلة قضائية لا تستلزم التجنيد للجمهور الواسع صاحب الشأن الأول بهذه القضية.

ثانيا: العمل الدولي.. هذا القانون يضع تحديات واضحة وصريحة أمام دول مثل دول الإتحاد الأوروبي، التي تقاطع منتجات المستوطنات وتقوم بمنع إستيرادها لأسواقها منذ عدة أعوام... اذاً فإنه بموجب هذا القانون أصبح بإمكان المستوطنين التوجه للقضاء ضد أي مؤسسة حقوقية تقدم المعلومات لدول الإتحاد الأوروبي!!، بغض النظر عن تأثير تلك المعلومات على المقاطعة الفعلية لدول الإتحاد لمنتجات المستوطنات!! او الضرر الناتج عنها.

والمطلوب منا هو استغلال هذه القضية وأستثارة الرأي العام الدولي والأوروبي خاصة، الذي أظهر علامات مشجعة لدعم فكرة BDS - المقاطعة سحب الأستثمارات والعقوبات - من أجل دفع الحكومات للتحرك من أجل حماية مؤسسات حقوق الإنسان المحلية، وحمايتها أمام هذا الإجراء والقانون. كما يتوجب على منظمات المجتمع المدني إستعمال النقاش المثار حول هذا القانون كمحفز لترسيخ الدعوة للمقاطعة وإعطائها زخماً دولياً شعبياً ورسمياً يفضح زيف الادعاءات بدمقراطية اسرائيل.

ثالثا وهو العامل الاهم – النضال الجماهيري: يجب أن يتم التعامل مع إقرار هذا القانون على المستوى الشعبي المحلي - الفلسطيني في البلاد، بطريقة مغايرة عن طريقة التعامل مع القوانين العنصرية والمخالفة لحقوق الإنسان التي أقرت حتى الآن، وأن يتم إستعماله كمحفز لتوجيه الطاقات الجماهيرية السلمية بطريقة إيجابية وخلاّقة، وعليه يجب مثلاً الدعوة لتبني موقف موحد تجمع عليه لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية والاحزاب العربية، والمؤسسات الأهلية والجماهيرية والأجتماعية، إضافة لمنظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بشكل خاص، لإصدار موقف موحد يوجه للمجتمع الدولي ويطالبه بمقاطعة المستوطنات ويدعم موقف المقاطعة بشكل صريح وعلني لا يقبل التأويل، على أن يوقع عليه عشرات الآلاف من الشخصيات الأكاديمية والاعتبارية والتمثيلية، والهيئات المجتمعية بكل أطيافها وتضع التحدي أمام إسرائيل، حكومة وقضاء بشكل سلمي واعٍ ديمقراطي وجماعي وتوصل رسالة واضحة مفادها: أن هذا القانون قد وُجد لكي يتم مخالفته... وأننا كجمهور معني لن نقبل اللعب وفق قوانين اللعبة السياسية كما تضعها الغالبية الاسرائلية الممثلة في الكنيست الإسرائيلي، وأن هناك قضايا وقيم أساسية هي أكبر وأهم مما تقرره هذه الغالبية خدمة لمصالحها وأجندتها السياسية العنصرية، كما أن هذا الموقف والتحدي يشكل رافعة لإعادة فكرة التجنيد الشعبي للنضالات السياسية والتحديات التي تواجه مجتمعنا بأستمرار.

والموقف الجماعي الموحد من شأنه أن يشكل تحدياً واضحاً لتبعات هذا القانون الجائر وعقبة أمام إمكانية تفعيل العقوبات ضد مخالفته، حيث لن تتمكن الدولة من تقديم شكاوى ضد عشرات الآلاف من المدنيين بسبب توقيعهم على بيان وموقف.. وإن فعلت، فإن باب النضال الجماهيري يكون قد اتسعت أبوابه... ولكل حادثة حديث.


المقال على موقع الحوار المتمدن:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=266976

المقال على موقع عرب 48:

http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=83256

09‏/07‏/2011

في الذكرى السنوية لاغتياله: رسالة الى غسان كنفاني


بقلم محمد زيدان

العزيز غسان،

في كل ذكرى من أيامٍ نعدّ بها سنين غيابكَ عنّا... نُراجعُ الدفاترِ القديمة ونتطلّعُ لما قد كتبناه مديحاً أو استذكاراً لمواقف كنّا قد كتبناها عنك، او ذكَّرْنا أنفسَنا بها كوصيةٍ بكلماتك ... وفي هذا العام لم يَعُد للكثير من تلكِ المحاولات أن تصمد بوجه الرياح التي تحملها الأيام ... فالثورة التي بشّرتَ فيها لم تعد من نصيبنا نحن الفلسطينيين فحسب، بل تجاوزَتنا الشعوب العربية الأخرى وطردَت حكّامَها وأذلت كبرياءهم الذي بنوه على الاذلال والقهر... في حين ما زال شعبك يحتفل بصورٍ للرئيس وأخرى للوزراء ...

هل تصدقني لو قلت لك بأن أمريكا صار يحكمها رجلٌ أسود بذات السياسة التي صنعتها الإمبراطورية البيضاء على مدار القرن الماضي ... وأنها لازالت تحارب من أجل النفط وحب السيطرة وأن حدود أمنها تجاوزت الكرة الارضية لتلامس حدود الفضاء ... أي أن العالم لم يتغير بما يتعلق بمصالحها الكونية، ولم تمرّ عليها رياح التغيير التي حملت اليونان لتصير حليفة لإسرائيل وتمنع "أسطول الحرية" من الخروج من موانئها لتخترق الحصار المفروض على أهلنا في غزة!!.. اليونان، أجل اليونان التي لم تعُد كَما عرفتَها حليفةً للثورة والشعب الفلسطيني، بل مقراً أوروبياً لليسار العالمي في الغرب!! .. صارت حليفةً لأمريكا وتقبلُ الإبتزاز السياسي من اسرائيل بترحاب!! بل صارت تشاركُ بشكلٍ فاعلٍ بضمان استمرار الحصار على أطفال غزة ومنع الإحتجاج السلمي عليه باسم حماية الامن والمصالح!!

غسان... ها نحن نقيس الزمان والمسافات التي تفصل بين أحلامَك بفلسطين، التي نراها لا زالت تحب مقالاتك ورواياتك كما يحبها الأطفال والكبار في كل العالم، وبين الحقيقة التي نعيشها في فلسطين اليوم، فلا نجد الأمور قد سارت على خير، بأفضل تعبير، تخايَل للحظة لو أخبروك وأنت بصحبة الحكيم واليماني وابوعلي مصطفى في لقاءاتكم بالمكتب السياسي للجبهة "أن الثورة الفلسطينية ستقودها "حكومة بيروقراط" من خريجي البنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية، وأن الثورة التي قاتلتم من أجلها وسقط خيرة الشباب والقادة على طريقها تحارب اليوم من اجل الحصول على قرار دولي يعترف بدولة فلسطينية مجزوءه قال عنها احد محبيك "تخيل يا غسان، كيف سيتم تدريس جغرافية فلسطين في حال «نجحنا» في اقناع دول العالم بحقنا في اقامة دولة، في المناطق المحتلة عام 67؟ هل سيشرح المدرس لطلابه خريطة فلسطين بقوله، يحد دولة فلسطين، اراض فلسطينية محتلة عام 48، ومن الجنوب صحراء النقب الفلسطينية، ويفصل بين المدن الفلسطينية، مستعمرات تم إنشاؤها على اراض فلسطينية، ومن الشرق غور الاردن التابع للدولة الفلسطينية، لكنه مصادر من اسرائيل. درس صعب استيعابه يا غسان".

أجل هو درسٌ صعب علينا أن نفهمه ونحن من عاشرنا المفاوضات المستمرة منذ عقدين ويزيد دونما أن تفضي إلا لإفراغ الثورة التي اعلنتموها من مضمونها دون أن تحقق ذاتها ... صار المجلس الوطني لا يجتمع إلا لإقرار التنازلات، والمنظمة لإقرار ناتج المفاوضات، والحكومة لتسيير اعمال الوزارات التي ثبت على اربعة منهم تهم الفساد والتكسب بالغش والمال العام هذا الاسبوع ... وهي تهمة تلاحق الغالبية ممن تبقى من قياداتٍ سياسية أفرغتها المفاوضات المجزوءه من روح القيادة والنضال ... قيادات صارت تحتاج لعقود من المفاوضات لا لتحرر فلسطين بل من اجل ان تتحد الفصائل وينتهي الاقتتال الداخلي على سلطة صنعتها المفاوضات واسرائيل لتمرير المرحلة وتحقيق اهدافها.

عزيزي غسان، مؤكدا قد اخبروك بأن اليماني غادرنا هذا العام ومن قبله الحكيم وعرفات وآخرين .... وصار في رأس الهرم أشخاص لم تعرفهم ولن يعرفوك ... "الواقعية" جعلتهم ينافسون اسرائيل على صفحات كتاب غينس في اكبر صحن حمص وأكبر صدر كنافة، وغيرها الكثير من الطبخات الاعلامية والخزعبلات التي يبيعوننا أياها على شاشات البلازما التي صارت تزين جدران بيوت المخيم الذي لم يعُد مخيماً كما عهدتّه في صبرا وشاتيلا وغيرها من مخيمات الصمود، مخيمات صنعَت معجزات نافَست مدناً مثل هانوي في سباق الصمود الإنساني الذي لا تتسع له صفحات غينس ولا غيرها، سوى ما اختزنَه الضمير الإنساني لمعاناةٍ وصمودٍ أمام آلة الحرق والإبادة.

غسان... منذ غادَرتنا لم تَعد حيفا قبلة الحالمين الاّ في قصائد تركَها لنا محمود درويش لتُذكرنا بكم ... وما عادت طرقُ العودة تمرُّ في ميناء يافا إلا لدى القليل ممّن نتهمُهُم بالجنون وأحلام اليقظة التي "لم تعد دارجةً هذه الأيام"!!. صارت العودة خارطةً على حائطٍ في مطعمٍ فلسطينيٍ في اشبيليا أو قرطبة تيمناً بالانطاكيين شعراً وحلماً... وعلى الأرض الفلسطينية قامت الدولة اليهودية "بعَبرَنَة" الأحراش والجبال، ها هي تحاربنا على أسماء بلداتنا التي بقيت بعد النكبة، فمدينتك التي احببتَها ستصير بموجب القانون الإسرائيلي "عكو" والقدس "يروشلايم"... وبالعربية أورشليم !! ... إنهم يزحزحون خطوط الهدنة بعد أن انتصَروا بالمعركة الاولى ... يريدون اكتساب المزيد من المساحات في أذهان الأطفال وأدمغة الجيل الذي يأبى أن يكون إسرائيلياً رغم محاولات الإغراء والتضليل ... المعركة يا غسان على المعرفة والوعي بالحقيقة، كما أسميتها ذات مرة، ما زالت مستمرة، وخطوط الهدنة على الأرض صارت جبال نابلس والخليل بعد أن زرعتها إسرائيل مستعمرات تشبه المدن التي أقامتها في جبال الناصرة والجليل.

واخيراً عزيزنا غسان فإننا نعلم أنك تراقب ما يصيبنا بقلق المعلم على تلاميذه غن فشلوا، وندرك انك تعرف من مراسلات أحبائك ما يجري، وأنك لا تتقن الكثير من مصطلحات المرحلة التي لا تلائم تعاليمَك لنا ... فنَم قريرَ العينِ علّ الصباحَ يحملُ لكَ صورةً غيرَ تلك أخبرك بشأنِها صديقك الشاعر المقدسي فوزي البكري في قصيدة قال فيها:

"غسان..

لو بعثتَ حياً يا ترى

فما الذي تقول

لو رأيتَ التوتَ

تستحي أوراقه فتختفي

من عورةِ التنازلات

وما الّذي تقولُ

لو رأيتَ كيف أصبحت بوصَلةُ

اليسارِ تفقدُ الجهات؟!

الناصرة 8 حزيران 2011

03‏/07‏/2011

أسطول الحرية اقوى من قراصنة الحكومات


بقلم محمد زيدان

تُجنّدُ العساكرُ وتُستفَزُ الأساطيل ... يقف الجنود على أهبة الإستعداد انتظاراً للأوامر الصادرة من كل العواصم المتآمرة سراً وعلانية ... يُحاصرُ الميناء ... يتم احتجاز المسافرين، وتمنع السفن من المغادرة!!. سفن لا تحمل إلا القليل من المساعدات الإنسانية والكثير من التضامن الإنساني .. هي رسالة الإنسانية للإنسان ... سفن لا تواجه عواصف الطبيعة واعاصيرها بقدر ما تواجهه من عواصم أخذت على عاتقها مناقضة الطبيعة الانسانية.

صورة يرسمها المتضامون بأجسادهم وقناعاتهم التي تتحدى الضمير النائم ... صورة تعيب تلك "الإنسانية" الملتحفة بستائر الحضارة والتقدم الإنساني الزائف .. هي صورة تعبر اكثر من كل الصور عن "الحرب بين قوى الخير وقوى الشر في العالم"، صراع بين مجموعة بشرية لا تجمعها سوى مبادئ السلم والحقوق والكرامة الانسانية التي تأبى على حصارٍ لبشرٍ أن يستمر دون أن ترفع صوتها ضده ... تقوم بما هو أرقى من "اضعف الإيمان"، قوى تجمعت لإسماع صرخة الحرية وحقوق الإنسان كما أدركتها بفطرتها البشرية الأولية ... وفي الجهة المقابلة دول وحكومات لا تجمعها سوى "ديبلوماسية المصالح" التي لا يهمها أن تدوس كل المبادئ والأخلاق !!.. بل تدوس البشر بذاتهم مع كل القيم الدولية التي تتغنى بها من على كل المنابر الدولية والإقليمية والمحلية.

منظر سريالي حزين يحصل في حضرة الاكروبوليس اليوناني الذي علّم البشرية لون الثورات وحقيقة الكرامة البشرية وحقوق الانسان ... أكاد أرى أباطرة الفلسفة والفكر اليوناني... أراهم في عليائهم يجلسون خلف غيومهم الاسطورية فيما يشبه الإستعداد للتحرك والإنطلاق لإيقاظ أحفادهم الذين يدوسون قيمهم ويدمرون ما بنوه منذ قرون طويلة ... يرون كيف يمنع أحفادهم الشباب المتضامنين من حمل شعلة الحرية التي انطلقت من الأولومبيا قبل مئات السنين ليحملوها لغزة وشعبها برا وبحرا ... يشاهدون الدول وقد تجيّشت والحكومات تجندت بكل مبعوثيها ومرسليها الى المنطقة، لتستعمل كل ما أوتيت من قوة السلطة والمال والعسكر لتقنع كل "أولاياء الأمر بأن "إرسال أسطول الحرية ليست فكرة صائبة" أو "أن في إرسال الاسطول استفزاز لمشاعر حكومة اسرائيل وجيشها" الذي ينفذ الحصار منذ سنوات!!!

هذا المنطق الهمجي الذي يرى بالنضال السلمي العالمي الموحد ضد الحصار استفزازا للمجرمين ويمنعون الناس البسطاء بالقيام بما كان يتحتم عليهم القيام به خشية المساس بمشاعر من يرتكب جريمة الحصار الدولي وجرائم الحرب اليومية منذ اكثر من ستة عقود!!. هذا المنطق الذي يتحرك لمنع التضامن ومنع الاحتجاج لم يحرك ساكناً لمنع الحصار او التخفيف من اضراره، بل تكفل حتى بكل الالاعيب الدولية والقوانين العالمية لدوام الحصار ومنع ادانته بكل المحافل الدولية دون أن تتحرك في نفوسهم أي اشكال من التردد او إعادة التفكير ... ولو من اجل مصالحهم، إن لم يكن من أجل الأطفال والنساء، المرضى والجرحى والمحتاجين المشتاقين لهواء الحرية ...

هي ذاتها الحكومات التي تجتمع يومياً لتزيد من عملياتها العسكرية وقصفها الجوي "دعماً للثوار في ليبيا" كما تدّعي!!، وتستمر بإرسال الطائرات العسكرية وقتل المدنيين في العراق وافغانستان ومناطق اخرى لا نسمع عنها في إعلامهم المجيّر من أجل تلك القيم التي تبيعها لنا فارغة الا فيما يخدم مصالحها!!، هي ذاتها الحاملة لواء "التدخل العالمي" الفاعل في كل كبيرة وصغيرة لا تخدم مصالحها، وفي كل تحرك قد يهدد مراكز قواها حتى في غير بلادها الاصلية.

تحية لكل المرابطين من اجل الإنسانية ودعم الشعوب المضهدة حتى تخلص الإنسانية من عار الاحتلال والحصار... تحية لهؤلاء القادمين على مراكب تحركها إرادة حرة نظيفة وتنطلق حتى لو وقفت كل حكومات الظلم بوجه إمدادها بالوقود والوثائق اللازمة لتحركها .. لان أسطول الحرية وقوده الإيمان بعدالة القضية واخوة الشعوب ووحدة القيم رغم كل العقبات والمؤامرات الدولية.

YouTube - ‪Jil Jilala جيل جيلالة إلا ضاق الحال‬‏

YouTube - ‪Jil Jilala جيل جيلالة إلا ضاق الحال Maroc‬‏

06‏/05‏/2011

المحكمة الدولية تستعمل ذراعا جديدا للدول الكبرى



محمد زيدان
الحوار المتمدن - العدد: 3356 - 2011 / 5 / 5
المحور: حقوق الانسان
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو ، يقول انه يملك مواد كافية لتوجيه لوائح اتهام ضد القيادة الليبية "بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية" تشمل استعمال القنابل العنقودية - التعذيب - قصف المدنيين واستهداف الاماكن السكنية المدنية بالقصف العمدي العشوائي - وهو يدعو مجلس الامن للتحرك!! واضاف"نحن نجمع الادلة منذ الاسبوعين الاولين من فبراير حيث كان هناك اطلاق نار على مدنيين عزل". وقال أيضا: لدينا ادلة على شن هجمات واسعة ومنتظمة ضد مدنيين، متحدثا عن اعتقالات جماعية وعن حالات تعذيب في ليبيا.1

ممكن ان نسأل اوكامبو ومجلس الامن : ماذا مع كل الوثائق والادلة على جرائم الحرب التي تمارسها اسرائيل ضد الفلسطينيين - والقائمة أطول من جرائم ليبيا - لماذا لا تكفي لفتح تحقيق دولي رغم انها مستمرة منذ 63 عاما؟؟ ولماذا رفض اوكامبو والامم المتحدة احالة ملف جرائم اسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين الى المحكمة الدولية، على الاقل خلال حرب غزة ومن قبلها ضد المدنيين في لبنان خلال الحرب على لبنان ، والتي شملت بالحالتين قصف مدنيين واستعمال قنابل فسفورية وعنقودية واستهدفت مقرات للامم المتحدة ومدارس ومستشفيات - وقد اصدرت هيئات دولية رسمية وغير حكومية (ومنها اسرائيلية) تقارير توثق كل تلك الانتهاكات والجرائم التي تشكل بكل الاعراف الدولية جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية .؟؟

هذه التساؤلات لا تعني باي حال من الاحوال تبرير او التساهل مع الجرائم المقترفة ضد المدنيين في ليبيا. ولكنها من اجل اثارة التساؤل حول ما يحصل بالمعايير والآليات الدولية التي وجدت بالاصل من اجل حماية المدنيين في كل العالم على قدم المساواة ودون تمييز ودون ازدواجية بالمعايير،

الجواب واضح وهو وجود ازدواجية بالمعايير من قبل المحكمة الدولية والمدعي العام, والااستغلال السياسي للقانون الدولي ولحقوق الانسان من قبل الدول الكبرى وخاصة أوروبا والولايات المتحدة ، التي توفر الفيتو والغطاء السياسي امام اي محاولة لتفعيل الآليات الدولية ضد مجرمي الحرب فيي اسرائيل





نعم للمصالحة .... ولكن!


بقلم: محمد زيدان

مع الترحيب الفلسطيني والعربي الكبير بإحتفال توقيع إتفاقية المصالحة بين فتح وحماس، رغم ما شابها من تفاصيل هامشية طغت على المشهد الإعلامي الذي رافقها، خاصة في الجوانب الإجرائية حول من يتحدث أولاً، واين يجلس كل طرف على المنصة!!، الا أن هذه المصالحة كانت وفق رأي الأغلبية ضرورية وهامة من أجل إضفاء أجواء إيجابية على النضال الفلسطيني لإنهاء الإحتلال وإقامة الدولة، ورغم ذلك فإنه لا بد من الإشارة لبعض الجوانب التي لا تقل أهمية عن مجرد التوقيع ذاته:

أولا: يشكل هذا الإحتفال الخطوة الأولى أمام قيادة حماس وفتح للبدء بمفاوضات جدية تفصيلية حول قضايا هامة وخطيرة تتعلق بمستقبل العمل السياسي المشترك ضمن السلطة الفلسطينية، بما في ذلك قضايا متعلقة بإجراء الإنتخابات، وتقسيم الأدوار السياسية وتنظيمها بين رام الله وغزة. هذا إضافة للملفات التي لا تقل أهمية والمتعلقة بالأجهزة الأمنية التي نمت خلال سنوات الإنقسام الأربعة، ولا يقل عن ذلك أهمية قضية الولاءات الفصائلية التي تمت داخل أجهزة السلطة ومؤسساتها المدنية والأمنية في كل من غزة ورام الله.

ثانيا: من المفيد أن نذكّر أن الشعب الفلسطيني الذي، وإن عبر عن فرحته بإنهاء الإنقسام وإعلان الوحدة، فإنه قد مرّ بتجربة قاسية ليس على مستوى إنعكاس الإنقسام على حياته اليومية فحسب، بل على المستوى الوطني العام، والمتمثل بفقدان الثقة المتزايد لدى قطاعات جماهيرية واسعة بالعمل السياسي من خلال الفصائل القائمة، التي وضعت مصالحها وبرامجها فوق المصلحة الوطنية العامة خلال سنوات الإنقسام، ووصلت حد الإقتتال على سلطة محدودة السلطة.

ثالثا: الإتفاق الأخير في القاهرة، كما تم عرضه لم يشمل مراجعة واضحة وعلنية لفترة الإنقسام والدروس المستفادة منها، ولو على مستوى الفصائل الأساسية التي لعبت دوراً فيها (حماس وفتح)، والتي كان من المفروض ان تشمل في تقييماتها اعتذاراً للشعب الذي تدّعي هذه الفصائل تمثيله في هذا الصراع الداخلي!!

هذه العوامل الداخلية يمكن لها ان تكون مؤثرة في مستقبل المصالحة، إضافة لعوامل إضافية أخرى لا تقل أهمية والمتمثلة بردود الفعل الخارجية - الفاترة على أقل تعبير، والتي صدرت عن مؤسسات دولية وهيئات فاعلة كالإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إضافة للردود المتوقعة الواضحة التي جاءت من الحكومة الإسرائيلية التي رأت بالمصالحة "ضربة قاسية للسلام، ونصراً عظيماً للإرهاب" كما جاء على لسان نتنياهو أثناء زيارته لندن يوم توقيع الإتفاقية.

وبالنظرة الى كل هذه العوامل الداخلية والخارجية، فإنه لا بد من التأكيد على أن المصالحة التي يحلم الشعب الفلسطيني بها، ليست تنظيمية او فصائلية فحسب، (على الرغم من أهميتها) بل تلك التي تشمل إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني بما يتلائم وحجم التحديات التي يطرحها الإحتلال من خلال زيادة التوسع والإستيطان، ليس في القدس لوحدها، بل في كل المناطق المحتلة، من أجل إلغاء أي إمكانية لإنهاء الإحتلال فعلياً على الأرض، وضمان إستمراره كمشروع سياسي إقتصادي وعسكري بدون كلفة فعلية، بل وحتى كمشروع مربح لها على كل الأصعدة.

وتشمل عملية إعادة صياغة المشروع الوطني التي تستوجب مشاركة الشعب الفلسطيني بكافة اطيافه وقطاعاته دون استثناء، وخاصة التي لم تعد الفصائل الحالية تمثله، والاتفاق على مركبات النضال وإشكاله مع برنامج سياسي واضح يمثل عناصر الإتفاق الفلسطيني المشترك، نحو إنهاء الاحتلال وبناء الدولة الفلسطينية المنشودة، في ظل المتغييرات السياسية والإقليمية والدولية، إضافة للعوامل المرتبطة بما تقوم به إسرائيل على الأرض. أي ان تتحول المصالحة بين حماس وفتح على المستوى الفصائلي الى مصالحة فلسطينية شاملة وتوحيد للشعب على الأرض بما يجعل الإنتقال للمرحلة القادمة انتقالاً نوعياً يشمل إصلاحات تنظيمية وسياسية في المؤسسات الوطنية التي لا بد لها أن تتطور، او يتم استبدالها بأخرى تصلح لقيادة المرحلة والبرنامج السياسي الذي يتم صياغته، والأهم برنامجاً وطنياً يمثل تطلعات الشعب كله وخاصة الشباب الفلسطيني، الذي نشأ خارج إطار غالبية الفصائل القائمة، وتربى في ظل ممارسات الاحتلال على أرضه ووطنه على مدار السنوات السابقة. وأن على هذا البرنامج ان يكون شاملاً وممثلاً لوجه الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويحمل طموحاته وبرنامجه الوطني بإبعاده السياسية والإجتماعية.

14‏/03‏/2011

الجزيرة تدفع ثمن صوت الحقيقة بدماء أبطالها


رحل علي حسن الجابر حاملا كميرا كان آخر ما التقطته صورا لضريح المجاهد عمر المختار... اغتالته يد الجبن المرتعبة خوفا من كشف الحقيقة للعالم ... حقيقة جبن النظام ووحشية المرتزقين الملتفين حوله دفاعا عن الجريمة ذاتها... رحل مصور الجزيرة القادم من الدوحة إلى بنغازي ليتعرف على صور الحقيقة بعينه المجردة مسلحا بكاميرا وقليلا من الأوراق لتوثيق تلك الحقيقة التي كان يشاهدها من خلف شاشات "المونيتور" في استوديوهات الجزيرة بالدوحة.. حركته مهنة المصاعب وركوب الخطر أن يخرج من غرف الزجاج المكيفة إلى صحراء بنغازي الملتهبة ويلتقي المناضلين الذين رآهم من قبل ألف مرة...يلقاهم وجها لوجه ويَشتَم رائحة البارود والنار التي رآها ألف مرة عبر شاشته...

ها هي الجزيرة تدفع ثمن انحيازها للحقيقة والفقراء والحرية، تدفع ضريبة المشاركة في توثيق اللحظة وتوسيع دائرة الشاهدين على الجريمة والمشاهدين لتفاصيلها... هاهو علي حسن الجابر يغادر شهيدا لا لمهنة أدركت هذه الأيام حجم الكراهية والتحدي كما عرفتها من قبل فحسب، بل شهيدا لقراره أن يخلص لهذه المهنة ويقوم بواجبه الإنساني المشارك بنقل الحدث من ساحات حدوثه لا المتفرج على تفاصيله من بعيد فقط ... يغادر علي حسن الجابر لينضم إلى طارق أيوب ويذكرنا بسامي الحاج وتيسير علوني وغيرهم من صحافيي الجزيرة ومكاتبها التي تواجه يوميا كل أشكال التضييق وقرارات الإغلاق والحجب وإطلاق أيدي الزعران والبلطجية للاعتداء على مكاتبها وتدميرها في تلك العاصمة أو تلك المدن المتخفية كعواصم خلت من كل مفاهيم السيادة والعدالة، والتي تتخصص باغتيال الحقيقة وتخاف كاميرا الجزيرة وتخشى صحافييها أكثر من خوفها من القصف المدفعي والاجتياح العسكري. ويذكرنا بحملات التحريض المسمومة عليها وعلى طواقمها, مرورا بالحجب والتشويش وإحراق المعدات, وانتهاء بقتل صحافييها وتصفيتهم جسديا بكمائن تستهدفهم بشكل مقصود.

والجزيرة كما عهدناها منحازة للجماهير وصوت الحق لا تردعها تهديدات ولا يجزعها وعيد، تلتزم الرد على العدوان بمزيد من الإصرار على القيام بواجبها الصحفي والإنساني، لأنها ترى بالعدوان عليها عدوان على الحقيقة التي لا ثاني لها في معادلة الحرب بين الظلم والجريمة وفساد الأنظمة من جهة والعدل والحق والشعوب من جهة أخرى .. وهي ترد على العدوان شامخة مهما تعددت أشكال هذا العدوان وتلونت ألوانه

المجد والخلود للشهيد علي الجابر.. وكل التحية لزملائه المرابطين في خطوط المواجهة المتقدمة في بقاع الأرض لنقل الحقيقة وصوت الشعوب التي لم تترك لها قنوات السلطة حيزا في فضائها .. وللجزيرة وطواقمها نقول كفاكم شرفا تلك الأصوات الشريفة التي أطلقتها جماهير بنغازي بعد تشييع جثمان الشهيد البطل، وكفاكم فخرا تلك الحناجر التي رددت شعارات التحية والشكر بعد أن احتضنت شهيد الجزيرة – شهيد الحقيقة – لأنها تأتي من شعب الثورة وبسطاء الناس لا من سلاطين الظلم والاستبداد.

01‏/10‏/2010

الشهداء - اراهم يسيرون نحو الوطن

استطيع ان اجزم اليوم (كما منذ اكثر من عقد) ان الشهداء على تعدادهم, لم يعودوا ينتظرون التحقيق في من قتلهم بدم بارد... لم يعودوا ينتظرون ما يتكرم به الوحش القاتل على ضحيته بعد افتراسها .... صرت اعتقد أنهم يشاهدون محاكم التفتيش من بعيد, ويراقبون لجان التحقيق ويعدون الجرائم التي تلت جريمة اغتيالهم واحدة تلو الاخرى.... يشاهدون من بعيد, ويضحكون لأمرنا ويرسحون قناعاتهم بأن لا فائدة ترجى من كل التحقيقات واللجان التي لايبقى من ومضات الكميرات التي ترافق المؤتمرات الصحفية التي طالما تزف قرارات هذه اللجان وتوصياتها في طريقها للاندثار والموت دون ان تترك لها أثراً يذكر ... اراهم يعلموننا مرة تلو الاخرى أن لا عدالة ترجى من حاكم تأسست جدران عدالته على بقايا مقابر قرية هجر اهلها قبل 60 عاما او ما يزيد. ولأن الشهداء لا يرون بقضتهم سوى استمراراً لجريمة تمتد منذ أمدٍ طويل, فانهم لا يستعجلون طريقهم الى الذاكرة ... انهم يسيرون في قافلة طويلة من الشهداء... قافلة غالبيتها من الاطفال والنساء والمدنيين الضحايا... ليسوا ابطالا بفطرتهم ولا محاربين بغالبتهم..., انهم ضحايا الجريمة المستمرة لفكرةٍ مفادها انه لم يكن من المفروض وجودهم اصلا على هذه الدنيا, على الاقل ليس في هذا الزمان ولا هذا المكان!! فإن مجرد وجودهم هناك, كان مقاومة من حيث لم يدركوا... مقاومة تنفي فكرة "الارض بلا شعب" التي ابتدعوها, فكيف لهم ان يوقفوا "حلم الشعب العائد لارضه" رغم التاريخ والجغرافيا.؟؟ بقوة النار والحديد والدبابة وكل اصناف السلاح السياسية والعسكرية جاؤوا لتثبيت اقدام مملكة التاريخ المنسوخ من اساطير سليمان ونبوخذ نَصّر!!.

منذ زمن طويل ترى الشهداء يسيرون في قافلة لا تتوقف عن التوسع والازياد في تعدادها..., وفي كل مرة ينضم اليها الشهداء الجدد, يسيرون في معية خالد وعمر وسليم الذين لازالوا يحملون مناجلهم منذ اغتالتهم ايدي غريبة في حقولهم وهم يحصدون القمح قرب قسطل صفورية.... وفاطمة العباس التي لم تغادر عمرها البالغ خمس سنوات منذ اغتالتها يد العصابات في قرية الشجرة منذ اكثر من 60 عاما .. لا زالت تمارس اللعب بعروستها المصنوعة من قماش مهترئ استعارته والدتها من قمباز والدها بعد ان عافته ابر الترقيع منذ زمن طويل.

اراهم وقد اعتادوا على الجلبة المفتعلة حول احياء ذكراهم... اراهم يتبسمون مداعبة لنا في كل عام عندما تصلهم اخبار النقاشات حول ضرورة الاضراب العام او الاكتفاء بالمسيرات الشعبية...، فهم بكلا الحالتين لا يفهمون سـر هذه النقاشات ولا يرغبون بها من اجلهم ....!! انهم لا يرون انفسهم الا من خلال ما تتيحه قافلة الشهداء الممتدة من وعيهم بأن إدراك العَدل لا يأتي من محاسبة المجرمين بعينهم فحسـب !!... فهم منذ تم اغتيالهم لم يعودوا يمثلون انفسهم وشخوصهم التي اعتدنا عليها... تماماً, كما لا يمثل القاتل ذاته في معادلة الصراع بين العدوان والمقاومة لصده، أو ضمن معادلة العلاقة المنسوجة قسراً بين المجرم والضحية بفعل الجريمة وعلاقة الفعل بالفاعل!!. ولأن وليد وأسيل ورامز وعلاء ورفاقهم في هذه القافلة لا يرون بملاحقة رالف او رون - أو أياً كان اسمُه – عنواناً وحيداً للاقتصاص وعدالة قضيتهم, فإنهم كذلك لا يأبهون لأي المراتب تمت ترقيتهم، ولا لما حلّ بمستقبلهم المهني العسكري او المدني بعد تنفيذهم الجريمة.... . تماما كما لم يلتفت ابو الوليد منذ 54 عاماً لما طالَ شِدمي ومِلِنكي ورفاقهم بالجريمة, بعدما قاموا بتنفيذ أوامِر الإبادة في كفر قاسم بحق 43 مدنياً لا زالوا يرافقون قافلة الشهداء بأسمالهم البالية من مشقة العمل الذي كانوا في طريقهم للعودة منه ورائحة التراب الذي ما عاد قادرا على احتضان اجسادهم لطهارتها.

أراهم يبتسمون رحمة بنا, يشفقون على جهلنا وإمعاننا بقَرع أبوابِ الرّحمةِ المغلقة في قلعة القاتلين المؤسسةِ على غبارِ المعارك وأوهام العظَمة. فعُمر ومحمد ورامي لا تهمهم توصيات تيودور او شمعون أو كل من رافقهم في لعبة التحقيق الزائفة, لأنها لا تساوي قيمَة الورق الذي كتبت عليه ... , ولا تعنيهم بالتالي ما توصلت اليه لجنة التحقيق الوهمية من نتائج وتوصيات – ما طبق منها وما تم التخلص منه بمجرد جفاف الحبر الذي كتبت به – تماما ً كما علَّمتهم أُم عاطف ومئات الضحايا الذين ما زالوا يرافقونها في مسيرة الشهداء منذ أن صارت صبرا وشتيلا أسماءً لمجازر بعد ان كانت عنواناً لجريمة التهجير من قبل. فهم يذكرونها تكرر امامهم بوضوح ووعي لم يرونه من قبل "أن لا علاقة لها من قريب او بعيد بكل ما استخلصته لجنة كاهن, وما قاله القاضي براك في توصياتهم بعد المجزرة, ولا تعنيها باي حال من الاحوال ما آل إليه سـفاح الجريمة بعد أن صار رئيساً للوزارة مكافأة على إتقانه تنفيذ المهمة التي ارسله ربُّ الجُندِ من أجلها، وإتمام مُهمّةِ يِهوشاع بِن نون التي لم تكتمل في اريحا منذ الاف السنين.

أراهُم يسيرون في انتظامٍ غريبٍ لا نَراه في مراسِم إحياءِ ذكراهم, لا يرفعون سوى اعلاماً تجمّعت الوانها بلون الأرض ودماءَهم التي لازالت على صدورِهم شامةً ووسام ..... يسيرون نحو مستقبلٍ نجهلُه بمقدارِ ما يدركونَه.... أرى من بينِهم مصلح أبو جَراد يسير الى جانب رأفت علي الزهري, يتحدثون عن المشترك بين يوم الأرض وهبَّة القدس والأقصى .., يتفاكَرون بتلكَ الدوافِع التي أتِت بهم من دير البلح على أطراف الوطن الجنوبية, ومن نور شمس في قلب فلسطين لينضموا الى هذه القافلة طواعية بعيدا عن بلداتهم الاصلية !! , أسمعهم يتسائلون هل أدركنا الرسالة التي كتبوها من أجلنا بدمائهم عن علاقة الجليل بغزة, واحتضان الضفة للمثلث والنقب!! ، يتساءلون إن كان المعنى لرسالة القدس في قلب كل فلسطيني على طول الوطن قد رسخت !!, أراهم يتساءلون ويواصلون الابتسام والتقدم.

يستذكر أحمد لقاءه الأول مع خديجة وسهام , وكيف علّمته أم توفيق الغزاوية التي ما زالت تسير بمعيّة أطفالها التسعة في مسيرة الشهداء, بعد ان سقط سقف البيت عليهم وهم نيام في التاسع من آذار بعد أن أصابته قذيفة دبابة متقنة الصنع. كان ذلك في العام الذي يختزنه أحمد في ذاكرته التي اصابتها رصاصة مستوطن من كدوميم التي اقيمت على ارض اجداده. أسمعها تردد أمامه أن الأيام وبشـاعة الجريمة المتواصلة تجمعهم دوماً في هذه القافلة، وأن الخيط الرابط بين جريمة شارون بئر البقر هو ذاته الرابط مع جريمة شارون صبرا وشتيلا, والواصل الى جريمة شارون في دير البلح وجرائمه في القدس والاقصى !!, أسمعها تؤكد له أمام أطفالها أن لا يسيء فهمهما كما يفعل الكثيرون منذ زمن طويل , فيعتقد أن شارون او باراك او بيرس او أي اسم آخر, هو المسؤول عن كل هذه القصص المتابعدة بالزمن والمتقاربة بالمغزى!!, لا بل أن يفهم ما تود افهامه بشكل قاطع معتمد على تجربة تعامل الشهداء مع مقترفي مجازرهم , "أنهم مجرد لاعبين متفوقين بحمل رسالة الأسبقين منذ بن غوريون وحتى بيرس, وما مر بينهما من آلاف الاسماء التي لم تعد تذكرها بعد ان طال انتظارها للقاء الوطن. "إيّاك أن تظنّ أن القصة منوطةٌ بهذا المُجرم أو ذاك .. وإياك أن تعتقد بأن محاسبة هذا المجرم او ذاك , من شأنها أن تُحسَب في ميزانِ العدل والمسائَلة التاريخية..... وإياك أن تصدّق للحظةٍ واحدةٍ أن العدلَ والقصاصَ واردةٌ في ذهنِ هؤلاءِ المجرمين, االلهم إلا ما يستعملونَه لتضييع الحق وتشتيتِ العدالة".

اكتوبر 2010