25‏/03‏/2010

في ذكرى رشيل كوري - بقلم محمد زيدان


16 آذار 2003 ... رشيل كوري.. تقف امام جرافة الهدم.. رشيل تتوسط الطريق بين الجرافة ومنزل فلسطيني مهدد بالهدم في رفح المحتلة.. رشيل تمسك ميكروفوناً وتخاطب سائف الجرافة الجالس خلف الزجاج المحصن.. يفغيني سائق الجرافة كان قد اعتاد قيادة آلته الحربية لتهدم البيوت وتجرف البيارات وتسوي الارض "لتزيل العوائق" من امام دبابات العسكر.. يفغيني اصبح خبيراً في مثل هذا النشاط العسكري الذي اعتادته اسرائيل منذ الانتفاضة الثانية.. هذا النشاط الذي حول الجرافة الى آلة عسكرية بامتياز... يفغيني ينتمي الى كتيبة مختارة من ال-"מפעילים" مشغلي الجرافات الذين تفننوا بتنفيذ عمليات الهدم والتجريف في غزة وجنين من قبل!!

يفغيني حتماً لا يتقن اللغة العبرية.. فهو قادم جديد من بلاد ما خلف البحار.. لكنه اتقن لغة الدمار والهدم قبل ذلك... رشيل تلبس الزي الاحمر البراق.. زي يبرز وجودها ويظهرها امام الجرافة التي لا يبدو انها تميز الالوان.. تحمل ميكروفونها وتصرخ... من المؤكد انها كانت تنادي سائق الجرافة الا يستمر في طريقه الى الهدم.. تحاول ردعه بصوتها... بجسدها وحضورها.. وهي لا تتوقع الا ان يتجاوب مع خطابها الانساني.. كيف لها ان تعرف لغة مشغلي الجرافات وهي ليست فلسطينية.. وليست عربية، ليست من هذا الشرق الذي لا تحترم فيه حرمة الحياة.. هي واحدة من هذه الارواح التي اختارت ان تقطع المحيطات خدمة لرسالة انسانية.. لترسم نموذجاً مختلفاً عن انسان امريكا الذي صنع البلدوزر وقدمه للعسكر هدية ورمزاً للالتزام الامريكي لأمن اسرائيل!!

رشيل جاءت لترسم صورة اخرى من التضامن الاممي والحب الانساني.. لكن ضوضاء الجرافة كان اقوى من كل المبادئ والاخلاق.. ويفغيني مصّر على انهاء ما جاء من اجله.. ليضيف الى سجل بطولاته صورة اخرى لهدم جديد.. ويحصد شارة جديدة يضيفها الى أوسمة الدمار التي حصدها في غزة وجنين!! يعرف حتماً انه سيشاهد امرأة تبكي وطفلاً يصرخ.. وشيخاً يلجأ الى الدعاء والتضرع امام الله لينتقم من الجرافة ومن ارسلها.. او يمكن ان يلاحظ من خلف الزجاج المحصن اطفالاً يرشقونه بالحجارة التي يعلم انها لا تضر ولا تؤثر في آلته الضخمة.. الجندي المخلص يفغيني مصر على الوفاء بإلتزاماته بتنفيذ الاوامر مهما تكن!!

يضغط دواسة الوقود.. يندفع البلدوزر نحو الهدف المحدد، لا يهمه ان ينظر في المسافة الفاصلة بينه وبين الهدف، يدوس في طريقه فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها.. احضرها القدر لتكون شاهدة حاضرة.. بل مشاركة في فضح هذه الوحشية المستشرية منذ الأزل.. يدوسها بجرافته ويمزق جسدها ويغادر.. فجأة تتوقف الجرافة.. ولا ينفذ الهدم الا بعد عدة اشهر.. تبقى رشيل ممدة على الارض، محاطة بزملائها.. ودمها الزكي يختلط برمال رفح وتراب فلسطين.. وتغادر الروح جسدها الطاهر.. لتكون الشاهد.. وتكون الشهيد .. وتجسد التضامن الاممي بابهى صورة انسانية يمكن ان تكون.